أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
563
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وكسيت ذاته وجودا معارا عليها ، وهو وجود الحق المفاض على جميع الممكنات ، فيرى ذاته المتوهمة : كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ [ النور : 39 ] . هنالك يصير العبد باللّه وللّه ، أمره بأمر اللّه حيث لم يبق فيه شائبة لسواه ، ولا شيء يحجبه عن اللّه ، فهذا الذي أحبه مولاه ، واصطفاه لحضرة قدسه ، واجتباه لمناجاته وأنسه ، فكان سمعه وبصره وناصره وحافظة في متقلبه ومثواه ، هناك يصير عارفا به في كل حال ، وخصوصا عند اختلاف الأحوال ، كما أشار إلي ذلك في المناجاة العاشرة فقال : 353 - إلهي قد علمت باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار أن مرادك مني أن تتعرف إلى في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء . قلت : إنما اختلفت آثار القدرة لتعرف عظمة القادر ، واختلافها يكون في الأجسام كالعلويات والسفليات ، والجمادات والمائعات ، والنورانيات والظلمانيات ، والمائيات والناريات ، وكاختلافها في الحيوانات ، كأجناس بني آدم والأنعام والبهائم ، والطيور والسباع والوحوش والحشرات ، وباختلافها في الأعراض كالبياض والسواد والحمرة والصفرة والزرقة والشهوبة ، وغير ذلك من الألوان ؛ لتعرف من ذلك سعة قدرته وعلمه وعظمة ذاته المقدسة ، وإنما تنقلات أطوارها من شباب وكهولة وشيخوخة ، ومن مرض وصحه ، وفقر وغني ، وعز وذل ، وسلب ورد ، ومنع وعطاء ، وقبض وبسط ، وجلال وجمال ، وحياة وموت ، إلي غير ذلك لتعرفه تعالى في كل حالة من هذه الأطوار ، وعند اختلاف أجناس هذه الآثار حتى لا تجهله في شيء منها ، فإن الحق تعالى قد تعرف لعباده في أجناس مصنوعاته ، وفي اختلاف أحوال قدرته ، جهله من جهله وعرفه من عرفه ، فلا يسمى الإنسان عارفا حتى يعرف اللّه في الأشياء كلها ، مع اختلاف آثارها وتنقلات أطوارها . فيعرفه في الذل كما يعرفه في العز ، ويعرفه في السلب كما يعرفه في العطاء ، ويعرفه في المرض كما يعرفه في الصحة ، ويعرفه في